الأسبوع العربيتكريممرأة ومنوعاتمقالات

كرِّموا هذه المرأة إنها أعظم مافي الحكاية

كرِّموا هذه المرأة
إنها أعظم مافي الحكاية

كتبت: نعمة حسن

عن تلك التي مات زوجها مبكرًا… فعاشت هي عمرين، عمرها وعمره، ثم لم تطلب من الدنيا إلا أن يستر الله أولادها
هناك نساء لا يكفي في وصفهن كلامٌ عابر، ولا تليق بهن عبارات المواساة السريعة، ولا ينصفهن ذلك الثناء الخفيف الذي يُقال في المناسبات ثم ينتهي.
هناك نساء مررن في هذه الدنيا لا كأشخاصٍ عاديين، بل كمعجزةٍ صامتة، كجدارٍ أقامه الله في وجه السقوط، كقلبٍ ظل ينزف عطاءً حتى نسي أن له حقًا في الراحة، كأمٍّ حين انكسر ظهر البيت، لم تنكسر معه، بل وقفت وحدها في مكان رجلٍ غاب، وفي مكان سندٍ مات، وفي مكان حياةٍ كاملة قررت الأقدار أن تطفئ نصفها مبكرًا، وتترك لها النصف الآخر ثقيلًا حدَّ الوجع.
كرِّموا هذه المرأة.
لا على سبيل المجاملة، بل على سبيل العدل.
كرِّموها لأن بعض النساء لم يعشن حياتهن أصلًا، بل عشن حياة أولادهن فقط.
كرِّموها لأن هناك امرأةً ترمّلت وهي صغيرة، فبدل أن تنهار، شدّت على قلبها، ووقفت.
وقفت لا لأنها لم تتألم، بل لأنها لم يكن لديها رفاهية السقوط.
وقفت لأن خلفها أطفالًا لا يعرفون من الدنيا إلا أنها الأم، والأم وحدها، والأمان كله متجمع في يدٍ واحدة، وصوتٍ واحد، ووجهٍ واحد، وصدرٍ واحد، هو صدرها هي.
ما أقسى أن تفقد المرأة زوجها وهي لم تكد تبدأ العمر بعد.
ما أقسى أن تجد نفسها فجأةً أمام بيتٍ كامل، وأطفالٍ صغار، ومسؤولياتٍ تلتهم النهار والليل، وليس في يدها شهادة عالية، ولا وظيفة مريحة، ولا سندٌ حقيقي، ولا ظهرٌ تتكئ عليه حين يثقل الحمل.
فماذا تفعل؟
تفعل ما لا يقدر عليه إلا القلوب التي كتب الله لها امتحانًا فوق طاقة العاديين.
تنزل إلى الدنيا وحدها، وتشتغل في مهنةٍ تقف فيها على قدميها طول النهار، وجسدها يتعب، وظهرها يئن، وقدماها تتورمان، وعيناها تذبلان من السهر والإرهاق، لكنها لا تتوقف.
لا تتوقف لأن البيت لا ينتظر، والأطفال لا يفهمون لغة الانكسار، والجوع لا يرحم، والحياة لا تسأل الأرملة إن كانت قادرة أم لا.
هي لا تعمل فقط.
هي تستنزف عمرها لقمةً لقمة.
تقف بالساعات، وتتحمل ما لا يُحتمل، وتعود آخر اليوم لا لتستريح، بل لتبدأ نوبةً أخرى من الجهاد: طبخ، وغسيل، وترتيب، ومتابعة، وقلق، وتفكير، ومصاريف، ومدارس، ودفاتر، وملابس، ومطالب لا تنتهي.
هي لا تملك ترف أن تمرض كما يمرض الناس، ولا ترف أن تحزن كما يحزن الناس، ولا ترف أن تقول: تعبت.
لأن خلف كلمة “تعبت” عندها جيشًا من الاحتياجات، وعالمًا كاملًا من الالتزامات، ووجوهًا صغيرة تنتظر منها أن تبقى واقفة، حتى لو كانت في داخلها تسقط ألف مرة.
هذه المرأة لم تربِّ أبناءها فقط.
هذه المرأة دفعت عمرها كاملًا كي يمر أبناؤها إلى الحياة سالمين.
دفعت شبابها، وراحتها، وصحتها، وأنوثتها، وأحلامها المؤجلة، وحقها الطبيعي في أن تُدلَّل، وأن تُسند، وأن تجد من يقول لها: كفاكِ، ارتاحي.
كثيرات مثلها لم يفكرن أصلًا في زواجٍ جديد، لا لأن الحياة انتهت في عيونهن، بل لأنهن خفن على أولادهن، وخشين أن يدخل على أبنائهن رجلٌ لا يعرف وجعهم، ولا يحنو على كسرهم، ولا يحفظ فيهم غياب أبيهم.
فاخترن الحرمان بأيديهن، لا ضعفًا، بل تضحية.
اخترن أن يدفنَّ جانبًا من أنفسهن كي لا يُخدش قلب ولد، ولا تضيع بنت، ولا يشعر صغير أن أمه قسمت حضنها بينه وبين غريب.
من يتكلم عن هذه المرأة بحق، يجب ألا يقول إنها “أدّت واجبها” فقط.
لا، هذا ظلم.
هي لم تؤدِّ واجبًا عاديًا.
هي حملت جبلًا فوق صدرها ومشت.
هي كانت أبًا حين غاب الأب، وكانت أمًّا حين احتاجت الأم، وكانت ظهرًا للبيت كله، وكانت بنكًا مفتوحًا من الصبر، وكانت ظلًا، وسترًا، وسقفًا، ويدًا تمسح، وأخرى تعمل، وعينًا تسهر، وقلبًا يخاف، وروحًا تؤجل نفسها كل يوم إلى أجلٍ لا يأتي.
ثم تأتي السنوات.
يكبر الأولاد.
وتفرح هي، لا لأنها استراحت، بل لأنها رأت تعبها يمشي على الأرض رجالًا ونساءً محترمين.
تزوجهم.
تقف إلى جوارهم.
تفرح لهم أكثر مما فرحت لنفسها يومًا.
تجهز، وتساعد، وتشارك، وتدعو، وتكتم التعب في قلبها، وتقول: الحمد لله، يكفيني أن أراهم مستورين.
كل أمنيتها أن ترى أولادها في بيوتٍ آمنة، وحياةٍ طيبة، ومستقبلٍ لم تستطع هي أن تعيشه، لكنها صنعته لهم بدمها البارد وعرقها وسنواتها.
وهنا…
هنا يبدأ واحد من أشد وجوه الوجع قسوة.
حين تأتي زوجة الابن، فلا ترى هذه الأم كما ينبغي أن تُرى.
لا ترى في هذه المرأة تاريخًا من الوقوف والفداء، ولا جسدًا أكلته المهنة والسنون كي يكبر هذا الرجل الذي صار زوجًا لها، ولا ترى تلك الليالي التي نامت فيها الأم جائعة ليأكل أولادها، ولا الأيام التي وقفت فيها بالساعات كي يعود ابنها يومًا رجلًا قادرًا على فتح بيت.

بل تراها خصمًا.
عبئًا.
منافسًا على قلب ابنها.
فتبدأ بعض النفوس الضيقة في تقسيم هذا التعب، لا في تكريمه.
تبدأ في خلق الشقاق بين الأم وولدها، لا في وصل ما قطعه الزمن.
تبدأ في النفخ في الحساسية، وإشعال الظنون، وتحويل أمٍّ أفنت عمرها كله كي تُخرج ابنها إلى الحياة، إلى امرأة يُراد لها الآن أن تقف على باب قلبه تستأذن في الحد الأدنى من البر.
ما أقسى هذا الظلم.
وما أشد فداحة أن تُجزى امرأة كهذه بالتهميش بعد العمر كله.
أن تُعامَل وكأنها مجرد مرحلة وانتهت، أو وكأن وجودها الزائد يضايق، أو كأن محبتها لابنها تدخلٌ، أو كأن حقها في القرب منه كثير.
أي ظلم هذا؟
هذه ليست أمًّا عادية.
هذه امرأة بنت ابنها من لحمها الحي.
هذه لم تسلمه للحياة جاهزًا، بل صنعته بصبرٍ مهول، وبموتٍ بطيء عاشته وحدها سنين طويلة.
فكيف يُطلب منها الآن أن تنسحب في صمت، وكأنها لم تكن الحكاية كلها قبل أن يأتي الفصل الأخير؟
إن من لا يفهم مقام هذه المرأة، لا يفهم معنى الأمومة أصلًا.
ومن يزرع الشقاق بينها وبين ولدها، لا يهدم علاقةً فقط، بل يهدم واحدًا من أقدس العقود الإنسانية في الوجود.
لأن هذه الأم لم تكن يومًا عقبةً في طريق سعادة ابنها، بل كانت الطريق نفسه.
لم تكن حملًا زائدًا على حياته، بل كانت الحياة التي حملته أصلًا.
لم تكن ظلاً ثقيلًا، بل كانت السقف الذي احتمى تحته حتى اشتد عوده.
ولهذا، فإن تكريم هذه المرأة ليس كلمةً لطيفة تُقال في عيد أم أو في منشورٍ عابر.
تكريمها الحقيقي أن تُفهم.
أن يُعترف بها.
أن يعرف ابنها قبل غيره أن برّها ليس تفضّلًا، بل بعضٌ من دينٍ لا يُقضى.
وأن تعرف زوجة الابن أن الذكاء ليس في انتزاع الرجل من أمه، بل في أن تكسب دعوة قلبٍ كهذا، وأن تقترب من امرأة لو عرفت حجم ما فعلته، لقبلت يدها لا مجازًا بل احترامًا.
كرِّموا هذه المرأة لأنها لم تتزوج، ليس لأنها لم تُرِد الحياة، بل لأنها آثرت أولادها على نفسها.
كرِّموها لأنها لم تُدخل رجلًا على أبنائها، لا لأنها لم تحتج السند، بل لأنها كانت تخاف عليهم أكثر مما خافت على وحدتها.
كرِّموها لأنها حين كانت في عز احتياجها إلى أن تجد من يربت على كتفها، كانت هي من تربت على أكتاف الجميع.
كرِّموها لأنها نسيت عمرها وهي تُحصي أعمار أولادها.
نسيت صحتها وهي تطمئن على صحتهم.
نسيت أحلامها وهي تبني أحلامهم.
نسيت المرأة التي فيها، لأن الأم فيها كانت كل يوم تنتصر وتدفع الثمن وحدها.
هذه المرأة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصة حزن فقط.
بل قصة مجد.
قصة بطولة يومية لا تصنعها الحروب، بل تصنعها الأرامل الصابرات في البيوت الضيقة، وفي المهن الشاقة، وفي الحياة التي لا تصفق لهن.
بطولة امرأة لا يكتب اسمها في الصحف، لكنها بنت أسرة.
لا يرفع الناس صورتها في الميادين، لكنها رفعت أولادها من اليتم إلى الكرامة.
لا يسمونها بطلة، لكنها كانت كل يوم تخوض حربًا كاملة ثم تعود لتطعم، وتغسل، وتضم، وتدعو، وتنام على قلق، ثم تستيقظ لتبدأ من جديد وكأنها لم تنزف بالأمس.
إنه لعارٌ أخلاقي أن تمر امرأة كهذه في الحياة ولا تُكرَّم كما يليق.
وإنه لجحود موجع أن ننتفع من تعبها ثم نضيّق عليها آخر العمر.
وإنه لفقرٌ في الإنسانية أن تنسى بعض القلوب أن الرجل الذي تحبه زوجًا، قد صنعته أمٌّ دفعت عمرها كله ثمنًا لوقوفه اليوم على قدميه.
فيا كل ابن، انتبه:
أمٌّ كهذه لا تُوضَع في آخر الصف.
ولا تُترَك لتصارع الشيخوخة وحدها بعد أن صرعت الشباب من أجلك.
ولا يُقبل أن تسمع في بيتك ما يكسرها ثم تصمت.
ولا يجوز أن تستكثر عليها القرب، وهي التي جعلت منك رجلًا يعرفه الناس الآن.
إن المرأة التي وقفت وحدها بعد وفاة زوجها، وربّت، وعملت، وزوّجت، وسترت، وصبرت، ليست أمًّا فقط؛ هذه وطنٌ صغير في هيئة امرأة.
إن انكسر، انكسرت معاني كثيرة لا تُشترى بعد ذلك.
ويا كل زوجة ابن، اتقي الله في امرأة لو أرادت نفسها لاختارت عمرًا آخر، لكنها اختارت ابنها.
لو أرادت الراحة لبحثت عنها، لكنها بحثت عنه هو.
لو أرادت حياتها لتمسكت بها، لكنها وهبتها له.
فلا تكوني أنتِ اليد التي تختم هذا العمر بالتعب بدل الراحة، ولا الصوت الذي يملأ قلب الابن شكًا بدل البر، ولا الباب الذي يدخل منه العقوق إلى بيتٍ دفعَت هذه الأم عمرها كله لتحفظه من الكسر.
كرِّموا هذه المرأة.
لا لأن الزمن قسا عليها فقط، بل لأنها غلبت قسوته.
لا لأنها بكت كثيرًا، بل لأنها كثيرًا ما أخفت بكاءها كي لا يضعف أولادها.
لا لأنها تعبت، بل لأنها تعبت نيابةً عن بيت كامل.
لا لأنها أم وحسب، بل لأنها كانت جيشًا، وظهرًا، وساترًا، ومخزن صبر، وذخيرة دعاء، وأرضًا صلبة وقف عليها الجميع بينما كانت هي وحدها تعرف كم كانت تتشقق من الداخل.

هذه المرأة يجب أن تُكتب عنها المقالات، لا أن تُترك للأركان المنسية من الذاكرة.
يجب أن تُعلَّم الأجيال أن أمًّا كهذه لا يُرفع الصوت في وجهها، ولا يُزايد أحد على حقها، ولا تُؤخذ مكانتها بالتدريج حتى تشعر في آخر عمرها أنها غريبة في البيت الذي بنت رجالَه بيديها.
هذه المرأة ليست تفصيلًا عابرًا في حياة أولادها.
هذه أصل الحكاية.
فإن رأيتم امرأة ترمّلت صغيرة، ثم شاخت قبل أوانها وهي تعمل واقفة، وتطعم، وتربي، وتستر، وتزوج، وتدعو، وتنسى نفسها، ثم ما زالت بعد ذلك تُعاتَب وتُهمَّش ويُراد قطع ما بينها وبين ابنها، فقولوا بصوتٍ عالٍ يليق بها:
كرِّموا هذه المرأة.
فوالله ما حملت بيتًا فقط، بل حملت حياةً كاملة فوق قلبها ومشت.
وما صنعت أولادًا فقط، بل صنعت رجالًا وبيوتًا ومستقبلًا من فوق رمادها الشخصي.
وما عاشت لنفسها إلا قليلًا، ثم أعطت الباقي كله.
ومن أعطت عمرها كله، لا يجوز أن يكون جزاؤها آخر الطريق قلبًا مكسورًا.
كرِّموا هذه المرأة…
قبل أن تظن، من فرط ما صبرت، أن أحدًا لم ينتبه أصلًا أنها كانت أعظم من في الحكاية.
بقلم: نعمة حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى